الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على سنته إلى يوم الدين أمّا بعد: فإن الكلام على الظلم والظالمين لم يغفله المصنّفون والمربّون على مر الأزمنة والعصور، وذلك لأن الظلم خلق ذميم تأباه النفوس المستقيمة، ولا تتقبله إلا الأنفس السّقيمة. فالظالم لا يستحيي من أن يتعدى -جهارًا- على غيره من بني جنسه بقوته التي لا يملكها المظلوم –في وقتٍ ما- فيسلبه حقوقه الطبيعية البشرية والشرعية. والذي يتساءل عنه الكثير: لماذا تجد بعض الظالمين مستمرين في الظلم ومع ذلك يحيون حياة الرغد طوال حياتهم "الطويلة"؟ وهو سؤال مشروع أجاب عنه شرعنا الحنيف بجواب خالدٍ من رب العزة والجلال ليكون تسلية للمظلوم ووعيد لكل ظالم فاقدٍ للعقل والحياء والدِّين، ولكل ظالمٍ فاقدٍ لكلّ ما هو متصل بشيءٍ اسمه "إنسان"! يقول تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(1) . فهذه الآية الكريمة جاءتْ عامّة لكلّ ظلم وظالم ومظلوم، مزيلة لتلكم التساؤلات، مُسلية لآهات المظلومين، قال القشيري: ...
إنّ النّاظرَ فِي مقاصدِ شَرْعنا الحنيف يجده دائم الترغّيب في البناء الذي لا يعارض الطبيعة البشرية أفرادا ومجتمعات، فيزيل جميع العوائق -التي قد تصرف البشر عن النهوض بواجباتهم والمطالبة بحقوقهم- بأساليب منضبطة تحافظ على تماسك البناء تماسكا يشدّ بعضه بعضًا. ولكنْ! لما ثقلتْ تكاليف المعيشة في هذا الزمان، واختلَط الحق بالباطل في كل مكان، لجأ الكثير من النّاس عوامهم والشّواذ مِنْ خواصهم إلى التنقيب في دلائل الشرع –بطرق ملتوية، وأساليب مهترية- باحثين عما يظنونه قد يجلب لهم الآمال ويجلي عنهم الآلام؛ فتراهم يعرضون الأدلة على أحوالهم، فما وافقت أغراضهم أخذوا بها ومَا لَا تتفق أعْرضُوا عنْها بل شككوا في صحتها وألغَوا حجيتها.ففَشا الجهل، واستفحل الظلم وعادتْ بعض أشكال الجاهلية الأولى التي حاربها الإسلام إلى الظهور تنخر مجتمعاتنا، وتهدم بيوتنا؛ أذكر من ذلك ما هو متعلق بهذا الموضوع -ولوْ مِنْ بعيد-: - حرمان البنات من الميراث؛ فمع أن الله تعالى قد جعل لهن سبيلاً إلى تركة ميِّتها إلاّ أن هذا الصنف من الناس أبى إلا مواقعة الحرام الصريح من أوسع أبوابه. - عدم التعرُّف على البنت بعد زواجها وإن...
إنَّ الحديث عن الإفساد في الأرض ليسَ مِن بِدَعِ مقالاتِ هذا الزمن، فقد تكلم فيه خبراء المسلمين قديمًا وحديثًا شارحين نصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عن أنواع الإفساد ومختلف صوره كالشرك والظلم ونشر المنكرات والعقوق وغير ذلك؛ فكلّ فعل يعارض مادة الصلاح والإصلاح فهو من الإفساد في الأرض. وقد ذم الله تعالى المفسدين الذي لا يصلحون في مواضع كثيرة من كتابه، من ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)، (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين) وغيرها كثير جدًّا. وفي هذه المقالة سأتطرق إلى صورة من صور الفساد في الأرض المرتبطة بواقعنا المعاصر وهي التعدي على القوانين المصلحية التي يضعها خبراء النّاس من صُناع قرارٍ وغيرهم لضبط التصرفات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية وغير ذلك، وهي قد تتغير بتغير الأزمنة والظروف وذلك لتطور حياة البشر وقصر نظرهم كما خلقهم الله...
تعليقات
إرسال تعليق